الثلاثاء، 16 أكتوبر 2012

صفة الجنة وأهلها مرقاة المصابيح


 وعن عمر - رضي الله عنه - قال : قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقاما ، فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم ، وأهل النار منازلهم ، حفظ ذلك من حفظه ، ونسيه من نسيه . رواه البخاري . 

الحاشية رقم: 1
5699 - ( وعن عمر ) - رضي الله عنه - ( قال : قام فينا ) أي خطيبا ( رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - مقاما ) أي قياما عظيما ( فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم ، وأهل النار منازلهم ) أي فبين المبدأ والمعاد ، وتوضيحه أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - بين أحوال الأمم كلهم إلى وقت دخول الجنة ، وعين أحوال أمته مما يجري عليهم من الخير والشر إلى أن يدخل أهل الجنة منهم الجنة ، وأهل النار النار . ( حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه ) قال الطيبي - رحمه الله - : حتى غاية أخبرنا أي أخبرنا مبتدئا من بدء الخلق حتى انتهى إلى دخول أهل الجنة الجنة ، ووضع الماضي موضع المضارع مبالغة للتحقيق المستفاد من قول الصادق الأمين . 

وقال العسقلاني : أي أخبرنا عن المبدأ شيئا بعد شيء إلى أن انتهى الإخبار عن حال الاستقرار في الجنة والنار ، ودل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات من المبدأ والمعاد والمعاش ، وتيسير إيراد ذلك كله في مجلس واحد من خوارق العادة أمر عظيم . ( رواهالبخاري ) . 

التحليل الموضوعي

5700 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله تعالى كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق : إن رحمتي سبقت غضبي ; فهو مكتوب عنده فوق العرش . متفق عليه

الحاشية رقم: 1
5700 - ( وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول : " إن الله كتب ) أي أثبت أو أمر أن يكتب الملائكة ( كتابا ) أي مكتوبا وهو اللوح ، أو كتب كتابة مستقلة ( قبل أن يخلق الخلق : إن رحمتي ) بكسر الهمزة وفتحها ( سبقت غضبي ) أي غلبت ، كما في رواية ، والمعنى غلبت الرحمة بالكثرة في متعلقها على الغضب ، والحاصل أن إرادة الخير والنعمة والمثوبة منه سبحانه لعباده أكثر من إرادة الشر والنقمة والعقوبة ؛ لأن الرحمة عامة ، والغضب خاص ، كما حقق في قوله : الرحمن الرحيم حيث قيل : رحمة الرحمن عامة للمؤمن والكافر ، بل لجميع الموجودات ؛ ولذا لا يطلق الرحمن على غيره سبحانه ، فإذا عرفت هذا فالكسر على الحكاية ، ويكون لفظة " إن " من جملة المكتوب ، والفتح على أنها بدل من كتابا ، وعلى كل فالمكتوب إنما هو هذه الجملة ، ويؤيده قوله : ( فهو مكتوب عنده فوق العرش ) والمعنى أنه مكتوب عن سائر الخلائق مرفوع عن حيز الإدراك ، وقيل : معناه أنه مثبت في علمه سبحانه ، وأما اللوح المحفوظ فقد يطلع على بعض معلوماته من أراد الله من ملائكته وأنبيائه وخلص أوليائه من أرباب الكشوف ، لا سيما إسرافيل عليه السلام ، فإنه موكل عليه ويأخذ الأمور منه ، فيأمرجبريل وميكائيل وعزرائيل عليهم الصلاة والسلام كلا بما هو من جنس عمله على ما ورد في بعض الأخبار والآثار ، وأما على قول من فسر الكتاب هنا باللوح المحفوظ أو القضاء الإجمالي والتفصيلي ، فيتعين الكسر على الاستئناف ، اللهم إلا أن تجعل هذه الجملة المستفادة من الحكمة الإجمالية زبدة في اللوح المحفوظ ، وعمدة ما فيه من أنواع الحظوظ . 

قال التوربشتي - رحمه الله - : يحتمل أن يكون المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ، ويكون معنى قوله : فهو مكتوب عنده ، فعلم ذلك عنده ، ويحتمل أن يراد منه القضاء الذي قضاه ، وعلى الوجهين فإن قوله : فهو عنده فوق العرش تنبيه على كينونته مكنونا عن سائر الخلائق ، مرفوعا عن حيز الإدراك ، ولا تعلق لهذا القول بما يقع في النفوس من التصورات تعالى عن صفات المحدثات فإنه هو المباين عن جميع خلقه المتسلط على كل شيء بقهره وقدرته . وفي سبق الرحمة بيان أن قسط الخلق هاهنا أكثر من قسطهم من الغضب ، وأنها تنالهم من غير استحقاق ، وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق ، ألا يرى أنها تشمل الإنسان جنينا ورضيعا وفطيما وناشئا من غير أن يصدر منه طاعة استوجب بها ذلك ، ولا يلحقه الغضب إلا بما يصدر عنه من المخالفات ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ، فلله الحمد على ما ساق إلينا من النعم قبل استحقاقها . 

[ ص: 3635 ] وقال النووي : غضب الله تعالى ورضاه يرجعان إلى المطيع إثابة وعقاب العاصي ، والمراد بالسبق هنا والغلبة في أخرى كثرة الرحمة وشمولها ، كما يقال : غلب على فلان الكرم والشجاعة ، إذا كثر منه . أقول : ولو أبقيا على حقيقتهما من غير إرادة المجاز جاز أيضا ؛ لأن رحمته تعالى سابقة على غضبه باعتبار التعلق بالنسبة إلى كل أحد من مخلوقاته ، فإن أول الرحمة نعمة الإيجاد ، ثم نعمة الإمداد ، فلا يخلو عن النعمتين أحد من العباد ، وكذا منحه سبحانه بالنسبة إلى محنه غالبة كثيرة شاملة لعموم الخلائق ، سواء من أطاعه أو عصاه في البلاد . 

قال الطيبي - رحمه الله - : يحتمل أن تكون أن مفتوحة بدلا من كتابا ، ومكسورة حكاية لمضمون الكتاب ، وهو على وزن قوله تعالى : كتب ربكم على نفسه الرحمة أي أوجب وعدا أن يرحمهم قطعا بخلاف ما يترتب عليه مقتضى الغضب ، فإن الله تعالى غفور كريم يتجاوز عنه بفضله ، وأنشد : 

وإني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعديفالمراد بالسبق هنا القطع لوقوعها . قلت : لا بد وأن يخص بالمؤمنين ممن تعلق المشيئة بمغفرتهم وسبق الإرادة برحمتهم ، وإلا فعذاب الكافر مقطوع الوقوع ، بل واجب الحصول ؛ لقوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به والتخلف في خبره غير جائز قطعا ، وقد حررت هذه المسألة في خصوص رسالة سميتها بـ " القول السديد في خلق الوعيد " . ( متفق عليه ) 

وعن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم " . رواه مسلم . 

الحاشية رقم: 1
5701 - ( وعن عائشة ) - رضي الله عنها - ( عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان ) أي جنسهم . قال النووي - رحمه الله - : الجان : الجن ، وقال شارح : يعني أبا الجن ، وهو المناسب لمقابلته بآدم ، ثم قيل : المراد به إبليس ( من مارج من نار ) أي لهب مختلط بسواد دخان النار . قال تعالى : وخلق الجان من مارج من نار ، وقال : والجان خلقناه من قبل من نار السموم (وخلق آدم ) بصيغة المجهول كما قبله ( مما وصف لكم ) على بناء المفعول أي مما بينه الله لكم في قوله : خلقه من تراب ، وقوله : خلق الإنسان من صلصال كالفخار ، وقوله : ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون ، وقوله : إني خالق بشرا من طين . ولعل كثرة ما ورد في حقه مع اشتهارها ما أوجبت الإبهام في قوله : مما وصف لكم . ( رواه مسلم ) وكذا أحمد . وروى الحكيم الترمذي ، وابن عدي في ( الكامل ) بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعا : ( خلق الله آدم من تراب الجابية وعجنه بماء الجنة ) . والجابية على ما في القاموس : قرية بدمشق ، وبابالجابية من أبوابها . وروى ابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعا ( خلقت النخلة والرمان والعنب من فضل طينة آدم ) . وروى الطبراني عن أبي أمامة مرفوعا ( خلق الحور العين من الزعفران ) . وروى الحكيم الترمذي ، وابن أبي الدنيا في ( مكايد الشيطان ) وأبو الشيخ في ( العظمة )وابن مردويه عن أبي الدرداء رفعه : ( خلق الله عز وجل الجن ثلاثة أصناف : صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض ، وصنف كالريح في الهواء ، وصنف عليهم الحساب والعقاب ، وخلق الله الإنس ثلاثة أصناف : صنف كالبهائم ، وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين ، وصنف في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله ) . وفي قوله : وصنف عليهم الحساب والعقاب إيماء إلى قول أبي حنيفة وتوقفه في حق الجن بالثواب ، والله تعالى أعلم بالصواب . 

وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء أن يتركه ، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو ، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك " . رواه مسلم . 

الحاشية رقم: 1
5702 - ( وعن أنس أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : " لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه ) أي في الجنة . قال التوربشتي - رحمه الله - : أرى هذا الحديث مشكلا جدا ، فقد ثبت بالكتاب والسنة أن آدم خلق من أجزاء الأرض ، وقد دل على أنه أدخل الجنة وهو بشر حي ، ويؤيده المفهوم من نص الكتاب : وقلنا ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة قال شارح ، قيل : يحتمل أن تكون الكلمتان أعني في الجنة سهوا من بعض الرواة أخطأ سمعه فيهما . 

قال القاضي - رحمه الله - : الأخبار متظاهرة على أنه تعالى خلق آدم من تراب قبض من وجه الأرض ، وخمر حتى صار طينا ، ثم تركه حتى صار صلصالا ، وكان ملقى بين مكة والطائف ببطن نعمان ، وهو من أودية عرفات ، ولكن ذلك لا ينافي تصويره في الجنة لجواز أن تكون طينته لما خمرت في الأرض وتركت فيها حتى مضت عليها الأطوار ، واستعدت لقبول الصورة الإنسانية حملت إلى الجنة وصورت ، ونفخ فيها الروح . وقوله تعالى : ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة لا دلالة له أصلا على أنه أدخل الجنة بعد ما نفخ فيه الروح ، إن المراد بالسكون الاستقرار والتمكن ، والأمر به لا يجب أن يكون قبل الحصول في الجنة ، كيف وقد تظاهرت الروايات على أن حواء خلقت من آدم في الجنة ، وهي أحد المأمورين ، ولعل آدم عليه الصلاة والسلام لما كانت مادته التي هي البدن من العالم السفلي ، وصورته التي بها يتميز عن سائر الحيوانات ويضاهي بها الملائكة من العالم العلوي أضاف الرسول - صلى الله تعالى عليه وسلم - تكون مادته إلى الأرض ، لأنها نشأت منها ، وأضاف حصول صورته إلى الجنة لأنها وقعت فيها . ( فجعل إبليس ) أي فشرع من كمال تلبيسه ( يطيف به ) يضم حرف المضارعة . 

قال النووي - رحمه الله - تعالى : طاف بالشيء يطوف طوفا وطوافا ، وأطاف به يطيف إذا استدار حوله ( ينظر ما هو ) استئناف بيان أو حال ، أي يتفكر في عاقبة أمره ، ويتأمل ماذا يظهر منه ، ( فلما رآه أجوف ) وهو من له جوف ( عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك ) أي لا يتقوى بعضه ببعض ، ولا قوة ولا ثبات ، بل يكون متزلزل الأمر ، متغير الحال ، متعرضا للآفات . والتمالك : التماسك . وقيل : المعنى لا يقدر على ضبط نفسه من المنع عن الشهوات ، وقيل : لا يملك دفع الوسواس عنه . وقيل : لا يملك نفسه عند الغضب . 

وقال النووي - رحمه الله - : الأجوف في صفة الإنسان مقابل للصمد في صفة الباري ، قيل : السيد سمي بالصمد ؛ لأنه يصمد إليه في الحوائج ويقصد إليه في الركائب ، من صمدت الأمر إذا قصدته . وقيل : إنه المنزه عن أن يكون بصدد الحاجة أو في معرض الآفة ، مأخوذ من الصمد بمعنى المصمد ، وهو الذي لا جوف له ، فالإنسان مفتقر إلى الغير بقضاء حوائجه ، وإلى الطعام والشراب ليملأ جوفه ، فإذن لا تماسك له في شيء ظاهرا وباطنا . أقول : ولعل جنس الجن ليسوا على صفة الأجوفية ليتم الاستدلال بالهيئة المخصوصة الإنسانية . ( رواه مسلم ) . 

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " اختتن إبراهيم النبي وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم " . متفق عليه . 

الحاشية رقم: 1
5703 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى وسلم - : " اختتن إبراهيم النبي ) أي نفسه عليه الصلاة والسلام بأمر الملك العلام حيث قال تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ( وهو ) أي والحال أنه ( ابن ثمانين سنة " وفي الموطأ ابن مائة وعشرين سنة . قيل : والأول هو الصحيح ، كذا ذكره الأكمل في شرح المشارق ( بالقدوم ) بفتح القاف وضم الدال المخففة . وفي نسخة تشديدها . قال صاحب القاموس : القدوم آلة للنحر ، وموضع اختتن به إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقد تشدد داله . وقال الطيبي - رحمه الله - : القدوم بالتخفيف آلة النجار ، معروفة ، وبالتشديد اسم موضع ، وقيل : هو بالتخفيف أيضا ، هكذا في جامع الأصول ، وفي كتاب الحميدي . قال البخاري - رحمه الله - : قال أبو الزناد ، وهو راوي الحديث : اختتن إبراهيم بالقدوم مخففة . قال التوربشتي - رحمه الله - : ومن المحدثين من يشدد وهو خطأ . وقالالنووي - رحمه الله - : القدوم وقع في رواية البخاري الخلاف في التشديد والتخفيف ، ويقال لآلة النجار قدوم بالتخفيف لا غير ، وأما القدوم مكان بالشام فيه التشديد والتخفيف ، فمن رواه بالتشديد أراد القرية ، ورواية التخفيف يحتمل القرية والآلة ، والأكثرون على التخفيف ( متفق عليه ) . ورواه أحمد . 

وعنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات : ثنتين منهن في ذات الله . قوله : إني سقيموقوله بل فعله كبيرهم هذا ، وقال : بينا هو ذات يوم وسارة ، إذ أتى على جبار من الجبابرة ، فقيل له : إن هاهنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه ، فسأله عنها : من هذه ؟ قال : أختي : فأتى سارة ، فقال لها : إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك ، فإن سألك فأخبريه أنك أختي لأنك أختي في الإسلام ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك ، فأرسل إليها ، فأتي بها ، قام إبراهيم يصلي ، فلما دخلت عليه ، ذهب يتناولها بيده . فأخذ - ويروى فغط - حتى ركض برجله ، فقال : ادعي الله لي ولا أضرك ، فدعت الله فأطلق ، ثم تناولها الثانية ، فأخذ مثلها أو أشد ، فقال : ادعي الله لي ولا أضرك ، فدعت الله فأطلق ، فدعا بعض حجبته ، فقال : إنك لم تأتيني بإنسان ، إنما أتيتني بشيطان ، فأخدمها هاجر فأتته وهو قائم يصلي فأومأ يده مهيم ؟ قالت : رد الله كيد الكافر في نحره ، وأخدم هاجر " . قال أبو هريرة : تلك أمكم يا بني ماء السماء متفق عليه .

الحاشية رقم: 1
5704 - ( وعنه ) أي : عن أبي هريرة ( قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم : " لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات " ) : بفتح الذال ، وفي نسخة بكسرها . قال ميرك نقلا عن الشيخ : هو اسم لا صفة لأنك تقول كذب كذبة ، كما تقول ركع ركعة ، ولو كان صفة لسكن في الجمع ، وقال أبو البقاء : الجيد أن يقال بفتح الذال في الجمع ، أقول : ولعل وجهه أن المصدر جاء بالفتح والكسر على ما يفهم من القاموس ، لكن لما كان الفتح مخصوصا بالمعنى الاسمي بخلاف الكسر ، فإنه مشترك بين الاسم والمصدر كان الفتح أجود ، هذا وقد أورد على الحصر ما رواه مسلممن ذكر قول إبراهيم في الكوكب هذا ربي وأجيب : بأنه في حالة الطفولية ، وهي ليست زمان التكليف ، أو المقصود منه الاستفهام للتوبيخ والاحتجاج . قال المازري : أما الكذب على الأنبياء فيما هو طريق البلاغ عن الله عز وجل ، فالأنبياء معصومون منه ، سواء قل أو كثر ، فإن تجويزه منهم يرفع الوثوق بأقوالهم لأن منصب النبوة يرتفع عنه ، وأما ما لا يتعلق بالبلاغ ، ويعد من الصغائر كالكذبة الواحدة في حقير من أمر الدنيا ، ففي إمكان وقوعه منهم ، وعصمتهم منه القولان المشهوران للسلف والخلف . قال عياض : الصحيح أن الكذب لا يقع منهم مطلقا ، وأما الكذبات المذكورات ، فإنما هي بالنسبة إلى فهم السامع لكونها في صورة الكذب ، وأما في نفس الأمر فليست كذبات . قلت : ووافقه شارح من علمائنا حيث قال : إنما سماها كذبات وإن كانت من جملة المعاريض لعلو شأنهم عن الكناية بالحق ، فيقع ذلك موقع الكذب عن غيرهم ، أو لأنها لما كانت صورتها صورة الكذب سميت كذبات ، وقال الأكمل في ( شرح المشارق ) : يحتمل أن يراد بها حقيقة الكذب ، لأن الاستثناء من النفي إثبات ، فيحتاج إلى العذر بأن الكذب للإصلاح جائز ، فما ظنك في دفع ظلم الظالمين ؟ قال ابن الملك : كيف يحتمل ذلك ، مع كلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام قرينة حالية ومقالية دالة على أنه تجوز فيه ، ولم يرد ظاهره ألا يرى أن من جملة كذباته قوله لسارة : إنك أختي في الإسلام ، فقوله في الإسلام قرينة على أنه لم يرد به الأخت في النسب ، وقوله : ( بل فعله كبيرهم ) فإن استحالة صدور الفعل من الجد قرينة على أنه مؤول أو مجوز فيه ، فلا يكون كذبا . قلت : ولا سيما فيه قول بالموقف على بل فعله والابتداء بقوله : كبيرهم هذا . ( ثنتين منهن ) : بدل من " ثلاث كذبات " ( في ذات الله ) أي : لأجل الله تعالى ، أو من أمر الله ، أو فيما يتعلق بتنزيه ذاته عن الشرك ، أو يراد به القرآن أي : في كلامه ، وعبر به عنه لما لم ينفك عن المتكلم ، كما هو رأي الأشعري كذا ذكره ابن الملك ، وتوضيحه ما قال شارح أي : في أمر الله وما يختص به ، إذ لم يكن إبراهيم نفسه فيه أرب ، لأنه قصد بالأولى أن يتخلف عن القوم بهذا العذر فيعمل بالأصنام ما فعل ، وبالثانية إلزام الحجة عليهم بأنهم ضلال سفهاء في عبادة ما لا يضر ولا ينفع ، وقيل : يحتمل حذف المضاف أي : في كلام ذات الله يعني أن اثنتين مذكورتان في كلام الله تعالى دون الثالثة ، وهي قوله لسارة : هي أختي . 

قال النووي : وهذه أيضا في ذات الله تعالى لأنها سبب دفع كافر ظالم عن مواقعة فاحشة عظيمة لا يرضى بها الله تعالى ، وإنما خص الاثنتين بأنهما في ذات الله تعالى لكون الثالثة تضمنت نفعا له ودفعا لحرمه ، هذا وفي " المغرب " : ذو بمعنى الصاحب يقتضي شيئين موصوفا ومضافا إليه ، وتقول للمؤنث : امرأة ذات مال ، ثم اقتطعوها عن مقتضاها ، وأجروها مجرى الأسماء التامة المستقلة بأنفسها غير المقتضية لما سواها . فقالوا : ذات قديمة أو محدثة ، ونسبوا إليها من غير تغيير علامة التأنيث ، فقالوا : الصفات الذاتية واستعملوها استعمال النفس والشيء عن أبي سعيد : كل شيء ذات وكل ذات شيء . 

قال الطيبي - رحمه الله - قوله : في ذات الله أي : في الدفع عن ذات الله ما لا يليق بجلاله ، ويدل عليه ما جاء في حديث آخر ما فيها كذبة إلا ما حل عن دين الله أي : خاصم وجادل وذب عن دين الله ، وهو بمعنى التعريض لأنه   نوع من الكناية ، ونوع من التعريض يسمى الاستدراج ، وهو إرخاء العنان مع الخصم في المجاراة ليعثر حيث يريد تبكيته ، فسلك إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع القوم هذا المنهج فحينئذ . ( " قوله " ) : بالرفع وفي نسخة بالجر إني سقيم : وذلك عندما طلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يخرج معهم إلى عيدهم ، فأراد أن يتخلف عنهم للأمر الذي هم به فنظر نظرة إلى النجوم فقال : إني سقيم ، وفيه إتمام منه أنه استدل بأمارة علم النجوم على أنه سقيم ليتركوه ، فيفعل بالأصنام ما أراد أن يفعل ، أو سقيم القلب لما فيه من الغيظ باتخاذكم النجوم آلهة ، أو بعبادتكم الأصنام . ( وقوله ) : بالوجهين ، وهو حين كسر عليه الصلاة والسلام أصنامهم إلا كبيرها ، وعلق الفاس في عنقه بل فعله كبيرهم هذاأي : فاسألوهم إن كانوا ينطقون يعني : إن كان لهم نطق ، ففيه تنبيه نبيه على أن الإله الذي لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ، فكيف يرجى منه دفع الضرر عن غيره ؟ وإيماء إلى أن العاجز عن النطق لا يصلح للألوهية ، فإن الإله من هو منعوت بصفات الكمال من أسماء الجلال والجمال . 



( وقال ) أي : النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في بيان الثالثة ( بينا هو ) أي : ( إبراهيم عليه الصلاة والسلام متوجه إلى الشام ( ذات يوم ) أي : بعد هلاك نمرود ( وسارة ) : عطف على هو ، وهي بنت عمه ( إذ أتى ) أي : مر إبراهيم ( على جبار من الجبابرة ) أي : ظالم مسلط . قال الطيبي - رحمه الله : أتى جواب بينا أي : بينا هما يسيران ذات يوم ، إذ أتيا على بلد جبار من الجبابرة فوشي بهما ، ( فقيل له ) أي : للجبار ( إن هاهنا ) أي : في بلدنا هذا ( رجلا معه امرأة من أحسن الناس ) أي : صورة ( فأرسل ) أي : رسولا ( إليه ) أي : إلى إبراهيم يطلبه فذهب إليه ، ( قال عنها ) أي : عن جهتها ( من هذه ) ؟ أي : من تكون هذه المرأة التي معك . 

قال الطيبي - رحمه الله : من هذه بيان للسؤال أي : سأل الجبار بهذا اللفظ ( قال : أختي ) : في الإسلام ، وقيل : كان كاذبا وكان جائزا بل واجبا في دفع الظالم على ما شرح مسلم ، لكن حمله على التعريض أولى ، فإنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال على ما رواه ابن عدي ، وعنعمران بن حصين : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ، مع أن نفس قوله : أختي لا يخلو عن تعريض ما حيث لم يقل هذه أختي أو هي أختي . ( فأتى ) أي : إبراهيم ( سارة فقال لها : إن هذا الجبار إن يعلم ) : إن شرطية أي : إن علم ( أنك امرأتي يغلبني عليك ) أي : في أخذك بالظلم عني ( فإن سألك ) أي : عن نسبك ونسبتك على تقدير إرساله إليك ووصولك عنده ( فأخبريه أنك أختي ) أي : على طريق التعلق كما فعلته ( فإنك أختي في الإسلام ) أي : حقيقة بلا مشاركة لأحد غيرنا في هذا المقام كما بينه بقوله : ( ليس ) أي : موجود ( على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك ) . 

قال الطيبي - رحمه الله : يريد به قوله تعالى : إنما المؤمنون إخوة . بمعنى أن الإعلان قد عقد بين أهله السبب القريب والنسب اللاحق ما يفضل الأخوة في النسب السابق ، وليس أحد أحق بهذا الحق العقد مني ومنك الآن ، لأنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك انتهى . واستشكل بكون لوط عليه الصلاة والسلام يشاركها في الإيمان كما قال تعالى : فآمن له لوط ويمكن أن يجاب بأن مراده بالأرض هي التي وقع فيها ما وقع له ، ولم يكن معه لوط إذ ذاك . ذكره العسقلاني - رحمه الله - ثم قيل : كان من أمر ذلك الجبار الذي يتدين 

 به في الأحكام السياسية أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج ، ويرى أنها إذا اختارت الزوج ، فليس لها أن تمتنع من السلطان ، بل يكون هو أحق بها من زوجها ، فأما اللاتي لا أزواج لهن ، فلا سبيل عليهن إلا إذا رضين ، ويحتمل أن يكون المراد أنه إن علم ذلك ألزمني بالطلاق ، أو قصد قتلي حرصا عليك ، وقيل : لأن دين الملك أن لا يحل له التزوج والتمتع بقرابات الأنبياء . 

( فأرسل ) أي : الجبار ( إليها ) أي : إلى سارة يطلبها ( فأتي بها ) أي : جيء بها إلى الجبار ( قام إبراهيم : استئناف بيان كأن قائلا قال : فماذا فعل بعد ؟ فأجيب : قام إبراهيم ( يصلي ) : حال أو استئناف تعليل أي : ليصلي عملا بقوله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة كما كان - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا حزبه أمر صلى على ما رواه أحمد ، وأبو داود ، عن حذيفة : ( فلما دخلت ) : بصيغة الفاعل وفي نسخة : أدخلت ( عليه ) أي : على الجبار ( ذهب ) أي : طفق ( يتناول ) أي : يأخذها ويمسها ( بيده ) أي : من غير سؤال وجواب ، أو بعد سؤالها وسماع جوابها ، لكن غلب عليه الميل إليها لكمال حسنها وجمالها . ( فأخذ ) : بصيغة المجهول مخففا أي : حبس نفسه وضغط ، والمراد به الخنق هاهنا . أي : أخذ بمجاري نفسه حتى سمع له غطيط . وقال ابن الملك : فأخذ ببناء المجهول أي : حبس عن إمساكها ، أو عوقب بذنبه ، أو أغمي عليه ، وفي نسخة بتشديد الخاء . قال شارح : ويروى أخذ على بناء المجهول من التأخيذ ، وهو استجلاب قلب شخص برقية أو غيرها ، كالسحر بحيث يصلله خرف أو هيمان أو جنون على ما قال العسقلاني ، ويؤيد رواية التخفيف قول المؤلف : ( ويروى ) أي : بدل يأخذ أو زيادة عليه ( فغط ) : بضم غين معجمة وتشديد طاء مهملة أي : خنق ( حتى ركض برجله ) أي : ضرب برجليه الأرض من شدة الغيظ . 

وقال ابن الملك أي : حصر حصرا شديدا . وقيل : الغط هنا بمعنى الخنق . أي : أخذ بمجامع مجاري نفسه حتى يسمع له غطيط نخير وهو صوت بالأنف ، وقال العسقلاني أي : اختنق حتى صار كالمصروع ، ( فقال : ادعي ) أي : سلي ( الله لي ) أي : لأجلي الخلاص ( ولا أضرك ) أي : بالتعرض لك ( فدعت الله فأطلق ) أي : من الأخذ ( ثم تناول ) أي : أراد تناولها ( الثانية ) أي : المرة الثانية ( فأخذ مثلها ) أي : مثل الأخذة الأولى ( أو أشد ) أي : بل أشد منها ( فقال : ادعي الله لي ولا أضرك ، فدعت الله ، فأطلق فدعا بعض حجبته ) : بفتحتين جمع حاجب كطلبة جمع طالب ( فقال : إنك لم تأتيني بإنسان ) أي : حتى أقدر عليها ( إنما أتيتني بشيطان ) أي : حيث لم أقدر عليها ، بل تصرعني ، وتريد أن تهلكني . 

قال الطيبي - رحمه الله : أراد به المتمرد من الجني ، وكانوا يهابون الجن ويعظمون أمرهم ، ( فأخدمها هاجر ) أي : جعل الجبار هاجر خادمةلسارة لما رأى كرامتها وقربها عند الله ، أو جبرا لما وقع من كسر خاطرها حيث تعرض لها ، ( فأتته ) أي : إبراهيم ( وهو قائم يصلي ) : وهو إما لعدم إطلاعه على خلاصها استمر على حاله ، أو انكشف له الأمر ، وزاد في العبادة ليكون عبدا شكورا بعدما كان عبدا صبورا ، ويؤيد الأول قوله : ( فأومأ ) : بهمزتين أي : أشار إبراهيم ( بيده ) أي : إلى سارة وهو في الصلاة ( مهيم ) ؟ بفتح فسكون مرتين أي : ما شأنك وما حالك ؟ وهي كلمة يمانية يستفهم بما ، وهاهنا مفسرة للإيماء أي : أومأ بيده بما يفهم منها معناه ، وليست بترجمة لقوله : وإلا لكان من حقه أن يقول : فأومأ بيده وقال : مهيم ؟ ( قالت : رد الله كيد الكافر في نحره ) أي : على صدره ، وهو من قوله تعالى : ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ومن قبيل الدعاء المأثور : اللهم
 إنا نجعلك في نحورهم ، ونعوذ بك من شرورهم . ( وأخدم هاجر ) أي : أم إسماعيل عليه الصلاة والسلام قيل : سميت هاجر لأنها هاجرت من الشام إلى مكة . وقيل : كان لا يولد له من سارة ، فوهبت هاجر له وقالت : عسى الله أن يرزقك منها ولدا ، وكان إبراهيم عليه السلام يومئذ ابن مائة سنة ، نقله ابن الملك . 

( قال أبو هريرة : تلك ) أي : هاجر ( أمكم ) أي : جدتكم ( يا بني ماء السماء ) قال القاضي - رحمه الله : قيل : أراد بهم العرب ، سموا بذلك لأنهم يتبعون المطر ، ويتمتعون به ، والعرب وإن لم يكونوا بأجمعهم من بطن هاجر ، لكن غلب أولاد إسماعيل على غيرهم ، وقيل : أراد بهمالأنصار لأنهم أولاد عامر بن حارثة الأزدي ، جد نعمان بن المنذر ، وهو كان ملقبا بماء السماء ، لأنه كان يستمطر به ، ويحتمل أنه أراد بهم بني إسماعيل ، وسماهم بذلك لطهارة نسبهم وشرف أصولهم . 

قال ابن الملك : وقيل : أشار بهم لكونهم من ولد هاجر ، لأن إسماعيل أنبع الله تبارك وتعالى له زمزم وهي من ماء السماء ، والله سبحانه وتعالى أعلم . 

قال الطيبي - رحمه الله - فإن قلت : فإذا شهد له الصادق المصدوق بالبراءة عن ساحة ، فما باله يشهد على نفسه بها من حديث الشفاعة في قوله : وإن كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرها ، ثم قال : نفسي نفسي نفسي على أن تسميتها وإنها معاريض بالكذبات إخبار الشيء على خلاف ما هو به ؟ قلت : نحن وإن أخرجناها عن مفهوم الكذبات باعتبار التورية ، وسميناها معاريض ، فلا شك أن صورتها صورة التعويج عن المستقيم ، فالحبيب قصد إلى براءة ساحة الخليل عما لا يليق به ، فسماها معاريض ، والخليل لمح إلى مرتبة الشفاعة هنالك ، وإنها مختصة بالحبيب ، فتجوز بالكذبات . ( متفق عليه ) . 

وعنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال : رب أرني كيف تحيي الموتى ويرحم اللهلوطا ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي متفق عليه . 
الحاشية رقم: 1
5705 - ( وعنه ) أي : عن أبي هريرة ( قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم : نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال : رب أرني كيف تحيي الموتى : تمامه : قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال ابن الملك : أراد - صلى الله تعالى عليه وسلم - أن ما صدر منإبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يكن شكا ، بل كان طلبا لمزيد العلم ، وأنا أحق به ، لأنه مأمور بذلك لقوله تعالى : وقل رب زدني علما وأطلق الشك بطريق المشاكلة . 

وقال الإمام المزي : معناه لو كان الشك متطرقا إليه ، لكنت أحق به ، وقد علمتم أني لم أشك ، فاعلموا أنه كذلك ، وإنما رجح إبراهيم على نفسه تواضعا ، أو لصدوره قبل أن يعلم أنه خير ولد آدم ، وأما سؤال إبراهيم عليه السلام ، فللترقي من علم اليقين إلى عين اليقين ، أو لأنه لما احتج على المشركين بأن ربه يحيي ويميت طلب ذلك ليظهر دليله عيانا ، وتوضيحه ما قال الخطابي : مذهب هذا الحديث التواضع والهضم من النفس ، وليس في قوله هذا اعتراف بالشك على نفسه ، ولا على إبراهيم ، لكن فيه نفي الشك عن كل واحد منهما يقول : إذا لم أشك أنا ولم أرتب في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى ، فإبراهيم أولى بأن لا يشك فيه ولا يرتاب به ، وفيه الإعلام بأن المسألة من قبل إبراهيم لم تعرض من جهة الشك ، لكن من قبل طلب زيادة العلم ، واستفادة معرفة كيفية الإحياء ، والنفس تجد من الطمأنينة بعلم الكيفية ما لم تجده بعلم الأمنية ، والعلم في الوجهين حاصل والثالث مرفوع ، وقد قيل : إنه إنما طلب الإيمان حسا وعيانا ، لأنه فوق ما كان عليه من الاستدلال والمستدل لا تزول عنه الوساوس والخواطر ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : ليس الخبر كالمعاينة " انتهى . وفيه أن عدم علم الأنبياء من باب الاستدلال غير ظاهر ، بل علمهم من باب الكشف والمعرفة التامة ، والعلم اليقيني الذي لهم في السرائر بحيث لا يتصور فيه تردد الخواطر ، وتوسوس الضمائر ، نعم مرتبة عين اليقين فوق مرتبة علم اليقين ، وأن هذا لهو حق اليقين والله الموفق والمعين . 

وفي بعض ( نسخ المصابيح ) : نحن أحق من إبراهيم بدون قوله بالشك ، ففال شارح له أي : نحن أحق منه بالسؤال الذي سأله يريد به تعظيم أمره ، وأن سؤاله هذا لم يكن لنقصان في عقيدته ، بل لكمال فكرته ، وعلو همته الطالبة لحصول الاطمئنان بالوصول إلى درجة العيان . 

قال : وفي بعض الروايات : نحن أحق بالشك من إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ومعناه ما ذكرناه أي : لم يكن صدور هذا السؤال منه شكا منإبراهيم ، واختلج في صدره ، إذ لو كان الشك يعتريه لنحن أحق بالشك منه ، ولكنا لا نشك ، فكيف يجوز أن يشك هو فيه ؟ أقول : المراد بقوله : نحن ليس صيغة التعظيم ، ليحتاج إلى الاعتذار بأنه قال ذلك تواضعا لإبراهيم ، بل المعنى أن مع أمتي لا تشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى ، بل نحن معاشر الخلق من سائر الأمم غالبا نعتقد قدرته على الإحياء ، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام من أكمل الأنبياء في مرتبة التوحيد ، ومقام التفريد حتى أمرنا بمتابعته على طريقه القويم وسبيله المستقيم ، فكيف يتصور منه الشك ؟ إذ لو جاز عليه الشك ، وهو من المعصومين المتبوعين لجاز لنا بالأولى ، ونحن من اللاحقين التابعين . والحال أنه أراد بالدليل البرهاني نفي الشك عن الخليل الرحماني ، وإيصاله إياه إلى المقام الاطمئناني ، والحال العياني . 

( ويرحم الله لوطا ) : قيل : تصدير الكلام هذا الدعاء لئلا يتوهم اعتراء نقص عليه فيما سيأتي من الأنبياء على طريقة قوله تعالى : عفا الله عنك لم أذنت لهم حيث كأنه تمهيد ومقدمة للخطاب المزعج . ( لقد كان يأوي إلى ركن شديد ) ، أي عشيرة قوية . قال ابن الملك : فيه إشارة إلى وقوع تقصير منه . وقال شارح تبعا للقاضي : وكأنه استغرب منه وعده بادرة ، إذ لا ركن أشد من الركن الذي كان يأوي إليه ، وهو عصمة الله وحفظه ، وعندي أن أخذ هذا المعنى من هذا المبنى ليس من طريق الأدب في الإنباء عن الأنبياء ، لأنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا كان ينهى عن غيبة أفراد العامة حيا وميتا ، فكيف يتصور أن يذكر في حق نبي مرسل ما يكون موهما لنقص مرتبته ، أو تنزلا عن علو همته ؟ فالمعنى ، والله تعالى أعلم أنه كان بمقتضى الجبلة البشرية في بعض الأمور الضرورية يميل إلى الاستعانة بالعشيرة القوية ، فيجوز لنا مثل ذلك المحال ، فإنا مأمورون بمتابعة أرباب الكمال في التعلق بالأسباب مع الاعتماد على رب الأرباب والله تعالى أعلم بالصواب . 

ثم رأيت في ( الجامع الصغير ) ما يقوي المذكور من التقرير والتحرير ، وهو ما رواه الحاكم ، عن أبي هريرة مرفوعا " رحم الله لوطا كان يأوي إلى ركن شديد ، وما بعث الله بعده نبيا إلا في ثروة من قومه " . قلت : ومنه قوله تعالى حكاية عن قوم شعيب عليه الصلاة والسلام : ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز وكذلك نبينا - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان معظما ومحميا ومكرما لقربه من أبي طالب وغيره ، وإليه الإيماء في قوله تعالى : ألم يجدك يتيما فآوى ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف أي : مقدار طول زمن لبثه وجاءني داع بالطلب أو ساع إلى الخروج ( لأجبت الداعي ) . أي ولبادرت الخروج عملا بالجواز . لكن يوسف عليه الصلاة والسلام صبر لحكم تقضيه ذلك ، كما عبر الله سبحانه عنه : فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله إلى آخره وربما وجبته عليه في مرام ذلك المقام ممن قصده البراءة مما اشتهر في حقه من الكلام على ألسنة العوام ، ليقابل صاحب الأمر على جهة التعظيم والإكرام ، ألا ترى أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يكلم بعض أمهات المؤمنين في طريق ، فمر عليه صحابي فقال له عليه الصلاة والسلام : " إن هذه فلانة من الأزواج الطاهرات " . فقال : يا رسول الله ، أيظن فيك ظن السوء ؟ فقال : " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم " . 

قال التوربشتي - رحمه الله : هو مبني على إحماده صبر يوسف عليه السلام ، وتركه الاستعجال بالخروج عن السجن مع امتداد مدة الحبس عليه ، قال : إن في ضمن هذا الحديث تنبيها على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ،وإن كانوا من الله بمكان لا ينازلهم فيه أحد ، فإنهم بشر يطرأ عليهم من الأحوال ما يطرأ على البشر ، فلا تعدوا ذلك منقصة ، ولا تحسبوه سيئة . قلت : هذا ما قررناه من قضية سيدنا لوط عليه الصلاة والسلام .

وقال ابن الملك : اعلم أن هذا ليس إخبارا عن نبينا - صلى الله تعالى عليه وسلم - بتضجره وقلة صبره ، بل فيه دلالة علىمدح يوسف عليه السلام ، وتركه الاستعجال بالخروج ليزول عن قلب الملك ما اتهم به من الفاحشة ، ولا ينظر إليه بعين مشكوك . انتهى . وهو بعينه كما ذكرناه على ما لا يخفى ، وقيل : بل فيه إشارة إلى تقصيريوسف عليه السلام ، وذلك من جهة أنه لم يترك الوسائط ، ولم يفوض كل ما آتاه إليه تعالى . 

قلت : سبق أن مباشرة الأسباب لا تنافي تفويض الأمر إلى رب الأرباب ، بل قال بعض العارفين : إن مرتبة جمع الجمع هي مباشرة السبب مع ملاحقة عمل الرب ، وقيل : بل فيه إيماء إلى تقصيره من جهة أنه كان رسولا ، ولذا دعا أهل السجن بقوله : أأرباب متفرقون إلخ . ولم يكن له طريق إلى عودة الملك ، فلما وجد إليه سبيلا قدم براءة نفسه مما نسب إليه على حق الله ، وهو دعوة الملك . 

قلت : وهذا ظاهر البطلان إذ تقدير تسليم كونه رسولا عاما أو خاصا ، فتقدم ما يتوقف صحة الإرسال من البراءة عليه مما يجب المبادرة إليه ، لئلا يدور طعن الطاعن حواليه ، ومما يدل على صحة ما قررناه ، وعلى حقيقة ما حررناه ، ما أخرجه ابن جرير ، وابن مردويه ، عن أبي هريرةمرفوعا : ( رحم الله يوسف عليه السلام إن كان لذا أناة حليما ، لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إلي لخرجت سريعا ) . وفي رواية أحمد في ( الزهد ) ، وابن المنذر عن الحسن مرسلا : ( رحم الله أخي يوسف لو أنا أتاني الرسول بعد طول الحبس لأسرعت الإجابة حين قال : ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة كذا في ( الجامع الصغير ) . متفق عليه . 

وعنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " إن موسى كان رجلا حييا ستيرا ، لا يرى من جلده شيء استحياء ، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ، فقالوا : ما تستر هذا التستر إلا من عيب بجلده : إما برص أو أدرة ، وإن الله أراد أن يبرئه ، فخلا يوما وحده يغتسل ، فوضع ثوبه على حجر ، ففر الحجر بثوبه فجمح موسى في إثره يقول : ثوبي يا حجر ! ثوبي يا حجر ! حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل ، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله وقالوا : والله ما بموسى من بأس ، وأخذ ثوبه ، وطفق بالحجر ضربا ، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه " ثلاثا أو أربعا أو خمسا " . متفق عليه . 

الحاشية رقم: 1
5706 - ( وعنه ) أي : عن أبي هريرة ( قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم : " إن موسى كان رجلا حييا " ) : بكسر التحتية الأولى وبتشديد الثانية على أنه فعيل أي مستحييا ( ستيرا ) ، بفتح السين وتخفيف الفوقية المكسورة . قال شارح أي : مستورا ، والظاهر أنه مبالغة ساتر ، ويدل عليه ما في نسخة من كسر السين والفوقية المشددة ، وكأن الشارح جعل قوله : " لا يرى من جلده شيء " : صفة كاشفة ، وليس بظاهر ، بل هو استئناف بيان لما يلزم من كونه كثير التستر ، وحاصله أنه كان من شأنه أن يستر جميع بدنه عند اغتساله ( استحياء ) ، أي من الناس (فآذاه ، من آذاه ) : بالمد فيهما أي : من أراد إيذاءه ( من بني إسرائيل ، فقالوا ) : جمع باعتبار معنى من كما أفرد أولا بناء على لفظه ، ونحوه كثير في التنزيل أي فقال بعض المؤذين : ( ما تستر ) أي : موسى ( هذا التستر ) أي : البليغ ( إلا من عيب بجلده : إما برص أو أدرة ) ، بضم همزة وسكون دال مهملة نفخة بالخصية على ما في النهاية ( وإن الله أراد أن يبرئه ) ، بتشديد الراء أي ينزهه عن نسبة ذلك العيب ، ويثبت له الحياء من عالم الغيب ، وقد أشار إليه سبحانه بقوله : ياأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ثم اعلم أن قوله : وإن الله هو هكذا في النسخ المصححة بالواو ، وقال الطيبي - رحمه الله : الفاء في قوله : فإن الله للتعقيب ، وأصل الكلام فقالوا : كيت وكيت ، فأراد الله أن يبرئه ، وأتى بأن المؤكدة تأكيد اعتناء بشأنه ، ( فخلا يوما وحده ) أي : انفرد عن الناس وقتا ما حال كونه منفردا ( ليغتسل فوضع ثوبه على حجر ) أي : بجنب الماء ( ففر الحجر بثوبه ) ، الباء للتعدية أي : فأخذه فارا عن موسى ، ( فجمح موسى ) : بجيم وميم وحاء 

مفتوحات . أي : ذهب وأسرع إسراعا لا يرده شيء ، ومنه قوله تعالى : وهم يجمحون ( في أثره ) : بفتحتين وقد يكسر الهمز وتسكن المثلثة أي : في عقب الحجر ( يقول ) أي : بلسان المقال أو ببيان الحال ( ثوبي ) أي : أعطني ثوبي ( يا حجر ثوبي ) أي : مطلوبي ثوبي ( يا حجر والتكرار للتكثير ( حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل : والظاهر أن فيهم المؤذين ( فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله ) : قال الطيبي -رحمه الله : عريانا حال . وكذا قوله : " أحسن " لأن الرؤية بمعنى النظر . ( وقالوا : والله ما بموسى من بأس ) ، أي ليس به عيب ما . ( وأخذ ثوبه وطفق ) أي : شرع ( بالحجر ضربا أي : بضربه ضربا ، فالجار متعلق بالفعل المقدر . كما في قوله سبحانه : فطفق مسحا بالسوق والأعناق( فوالله إن في الحجر لندبا من أثر ضربه ) : الندب بفتح النون والدال أي : أثرا وعلامة باقية من أثر ضربه ، وأصل الندب أثر الجرح ، إذا لم يرتفع عن الجلد ، فشبه به أثر الضرب بالحجر وقوله : ( ثلاثا أو أربعا أو خمسا ) . متعلق بالضرب أو الندب والشك من الراوي . 

قال الطيبي - رحمه الله - قوله : ثلاثا أي ندبات . ثلاثا بيانا وتفسيرا لاسم إن ، وضربه هذا من أثر غضبه على الحجر لأجل فراره ، وقلة أدبه ، ولعله ذهل عن كونه مأمورا ، وكان ذلك في الكتاب مسطورا ، وفيه مأخذ العلماء الأنام على أن ضرر الخاص يتحمل لنفع العام ، والله تعالى أعلم بالمرام ، ثم قيل : إن موسى أمر بحمل الحجر معه إلى أن كان في التيه فضربه بعصاه مرة أو مرات ، فانبجست منه اثنتا عشرة عينا . 

قال النووي - رحمه الله : فيه معجزتان ظاهرتان لموسى عليه الصلاة والسلام . إحداهما مشي الحجر بثوبه ، والثانية حصول الندب في الحجر بضربه ، وفيه حصول التمييز في الجماد ، وفيه جواز الغسل عريانا في الخلوة ، وإن كان ستر العورة أفضل ، وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمدرحمهم الله ، وخالفهم ابن أبي ليلى وقال : إن للماء ساكنا . قلت : إمامنا الأعظم - رحمه الله - مع الجمهور ، وظاهر مخالفة ابن أبي ليلى في دخول الماء . قال : وفيه ابتلاء الأنبياء والصالحين من أذى السفهاء والجهالة وصبرهم عليه ، وفيه أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عن النقائص في الخلق ، والخلق سالمون من العاهات والمعايب ، اللهم إلا على سبيل الابتلاء . ( متفق عليه ) . 

وعنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " بينا أيوب يغتسل عريانا ، فخر عليه جراد من ذهب ، فجعل أيوب يحثي في ثوبه ، فناداه ربه : يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال : بلى وعزتك ، ولكن لا غنى عن بركتك . رواه البخاري . 

الحاشية رقم: 1
5707 - ( وعنه ) أي : عن أبي هريرة ( قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم : " بينا أيوب يغتسل عريانا ) ، يحتمل أن يكون لابسا للإزار كما يدل عليه قوله الآتي : يحثي في ثوبه ، ويحتمل أن يكون متجردا عن الثياب كلها على طبق ما سبق لموسى عليهما الصلاة والسلام ، وكان جائزا عندهما ، لكنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - أشار إلى أن التستر أولى حياء من المولى ، بناء على أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعث ليتم مكارم الأخلاق ، ( فخر ) : بالخاء المعجمة والراء المشددة ، أي : فسقط ونزل ( عليه ) أي : فوقه " أطرافه " ( جراد ) أي : جنس جراد ( من ذهب ، فجعل أيوب يحثي ) أي : يضعه ( في ثوبه ) : كذا في النهاية ، والأظهر أنه يأخذ بكفه أو كفيه ، ويضع في ثوبه المتصل به وهو الإزار اللابس له قبل الغسل أو بعده ، أو المنفصل الذي ما لبسه بعد ، وفي المصابيح : يحثي في ثوبه . قال شارح له أي يجمعه في ذيله ويضم طرف الذيل إلى نفسه ، ( فناداه ربه ) أي : نداء تلطف ( يا أيوب ألم أكن أغنيتك ) أي : جعلتك ذا غنى ( عما ترى ؟ قال : بلى وعزتك ) ، قال الطيبي - رحمه الله : هذا ليس بعتاب منه تعالى إن الإنسان وإن كان مثريا لا يشبع بثراه ، بل يريد المزيد عليه ، بل من قبيل التلطف والامتحان بأنه هل يشكر على ما أنعم عليه ، فيزيد في الشكر ، وإليه الإشارة بقوله : ( ولكن لا غنى ) : بكسر ففتح مقصورا أي لا استغناء ( بي عن بركتك ) . أي عن كثرة نعمتك ، وزيادة رحمتك . وفي رواية : من يشبع من رحمتك أو من فضلك ، وفيه جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه الشكر عليه ، ويصرفه فيما يحب ربه ويرضاه ، ويتوجه الأمر إليه ، وفي تسمية المال من جهة الحلال بركة في المال وحسن الحلال . قال الطيبي - رحمه الله : ونحوه قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لعمر رضي الله تعالى عنه جوابا عن قوله : أعطه أفقر إليه مني : " ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ، وما لا فلا تتبعه نفسك " . ( رواه البخاري ) . 

اختر كتاباً للتفسير للحديث التالي 

5708 - وعنه ، قال : استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود . فقال المسلم : والذي اصطفى محمدا على العالمين . فقال اليهودي : والذي اصطفى موسى على العالمين . فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي ، فذهب اليهودي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم ، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلم فسأله عن ذلك ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم : " لا تخيروني علىموسى ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة ، فأصعق معهم فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش ، فلا أدرى كان فيمن صعق فأفاق قبلي ، أو كان فيمن استثنى الله ؟ " . 

وفي رواية : " فلا أدري أحوسب بصعقة يوم الطور ، أو بعث قبلي ؟ ولا أقول أن أحدا أفضل من يونس بن متى


الحاشية رقم: 1
5708 - ( وعنه ) أي : عن أبي هريرة ( قال : استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود ) ، بتشديد الموحدة افتعال من السب وهو الشتم ،والمعنى سب كل واحد منهما الآخر ، ( قال المسلم : والذي اصطفى محمدا على العالمين ) أي : جميعهم من خلف الأولين والآخرين ، والمحلوف عليه مقدر ( فقال اليهودي : والذي اصطفى موسى على العالمين ) أي : عالمي زمانه ، لكن لما كان ظاهر كلامه المعارضة ، وحاصل مرامهالمشاركة في الاصطفاء على الخلق من بين الأنبياء ، وخلاف ما عليه العلماء ، ولذا أنكر عليه ، ( فرفع المسلم يده عند ذلك ) أي : القول الموهم لخلاف الأدب ( فلطم وجه اليهودي ) ، أي ضربه بكفه كفا له وتأديبا ( فذهب اليهودي إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم ، فدعا النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم ) أي : المدعى عليه ( فسأله عن ذلك ) . أي الأمر ( فأخبره ) ، أي بمطابقة الخبر ( فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم : " لا تخيروني " ) : بضم التاء وتشديد الياء من التخيير بمعنى الاصطفاء ، والمعنى لا تجعلوني خيرا بمعنى لا تفضلوني ( على موسى ) أي : ونحوه من أصحاب النبوة تفضيلا يؤدي إلى إيهام المنقصة ، أو إلى تسبب الخصومة ، فإن أمر التفضيل ليس بقطعي على وجه التفضيل ، ( فإن الناس ) أي : جميعهم ( يصعقون ) : بفتح العين ( يوم القيامة ) أي : عند النفخة الأولى ( فأصعق معهم ) : من صعق الرجل إذا أصابه فزع فأغمي عليه ، وربما مات منه ، ثم يستعمل في الموت كثيرا ، لكن هذه الصعقة صعقة فزع قبل البعث لذكر الإفاقة بعده بقوله : ( فأكون أول من يفيق ) ، فإن الإفاقة إنما تستعمل في الغشي والبعث في الموت ( فإذا موسى باطش ) : قال شارح أي : قوي ، والظاهر أن معناه آخذ ( بجانب العرش ، فلا أدري كان ) أي : أكان ( فيمن صعق فأفاق قبلي ) ، أي لفضيلة اختص بها ( أو كان فيمن استثنى الله ) أي : في قوله تعالى : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله والمعنى أو كان فيمن لم يصعق فله منقبة أيضا من هذه الجهة . قال العسقلاني : يعني فإن أفاق قبلي فهي فضيلة ظاهرة ، وإن كان ممن استثناه الله تعالى فلم يصعق ، فهي أيضا فضيلة ، وإنما في النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن التفضيل بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من يقول ذلك من رأيه ، لا من يقوله بدليل ، أو من يقول بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول ، أو يجر إلى الخصومة ، أو المراد لا تفضلوني بجميع أنواع الفضائل بحيث لا يبقى للمفضول فضيلة ، أو أراد النهي عن التفضيل في نفس النبوة ، فإنهم متساوون فيها ، وإنما التفاضل بخصائص وفضائل أخرى . 

قال تعالى : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض و لقد فضلنا بعض النبيين على بعض ( وفي رواية : فلا أدري أحوسب ) أي : أجوزي ( بصعقة يوم الطور ) ، بإضافة المصدر إلى الظرف ، وفي نسخة بالضمائر أي : بصعقة نفسه في ذلك اليوم حيث قال تعالى : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ففي القاموس : صعق كسمع صعقا ويحرك ، وصعقة وتصاعقا ، فهو صعق ك " كنف " غشي عليه . ( أو بعث قبلي ) ؟ أي أفاق قبل إفاقتي بعدما شاركني في صعقتي ، فالبعث مجاز عن الإفاقة توفيقا بين الروايتين ( ولا أقول : إن أحدا ) أي : لا أنا ولا غيري من الأنبياء ( أفضل من يونس بن متى ) . بفتح الميم وتشديد المثناة الفوقية المقصورة قيل : هي اسم أم يونس على ما في ( جامع الأصول ) ثم قيل : إن أحدا استعمل في الإثبات لأن المعنى لا أفضل أحدا على يونس . 

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء . رواه البخاري . 
الحاشية رقم: 1
5712 - ( وعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : " إنما سمي الخضر ) أي : خضرا ، وفي نسخة بنصبه أي إنما سمي الرجل المشهور الخضر ( لأنه جلس على فروة بيضاء ) ، في النهاية : الفروة الأرض اليابسة . وقيل : الهشيم اليابس من النبات . قلت : ومعناهما واحد ، ومؤداهما متحد ، واختار شارح القول الثاني فقال : المراد بالفروة الهشيم اليابس شبهه بالفرو ، وقيل : الأرض اليابسة ، وقيل : جلدة وجه الأرض ، وقيل : قطعة نبات مجتمعة يابسة . قلت : هذا هو الأظهر . وقال الطيبي - رحمه الله : ولعل الثاني من قولي صاحب النهاية أنسب لأن قوله : ( فإذا هي تهتز من خلفه خضرا ) ؟ إما تمييز أو حال ، فكأنه نظر الخضر عليه الصلاة والسلام إلى مجلسه ذاك ، فإذا هي تتحرك من جهة الخضرة والنضارة انتهى . ولعله قال : من خلفه مع أن النمو والاهتزاز بما كان في موضع الجلوس من تحته للإشعار بأن الخضرة زادت عن المجلس إلى انتهاء الفروة البيضاء ، ثم قال شارح : قوله " خضرا " بفتح فكسر مع التنوين أي نباتا أخضر ناعما . وروي على زنة صفراء . قلت : وهو كذلك في " أكثر النسخ المضبوطة المعتمدة ، لكن لا يخفى أن النسخة الأولى لمناسبة وجه التسمية أولى للجمع بين المبنى والمعنى . ( رواه البخاري ) . وأسنده السيوطي بهذا اللفظ بعينه في ( الجامع الصغير ) إلى أحمد ، والشيخين ، والترمذي ، عن أبي هريرة ،والطبراني عن ابن عباس ، والله تعالى أعلم . 

وعنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " جاء ملك الموت إلى موسى ابن عمران ، فقال له : أجب ربك " . قال : " فلطمموسى عين ملك الموت ففقأها " . قال : " فرجع الملك إلى الله ، فقال : إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ، وقد فقأ عيني " قال : " فرد اللهإليه عينه ، وقال : ارجع إلى عبدي فقل : الحياة تريد ؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور ، فما توارت يدك من شعره فإنك تعيش بها سنة ، قال : ثم مه ؟ ، قال : ثم تموت . قال : فالآن من قريب ، رب أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر " . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر " . متفق عليه . 
الحاشية رقم: 1
5713 - ( وعنه ) أي : عن أبي هريرة ( قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم : ( " جاء ملك الموت " ) أي : في صورة بشر ( إلى موسى بن عمران فقال له ) أي : لموسى عليه الصلاة والسلام ( أجب ربك ) أي : بقبول الموت ، والمعنى إني جئتك لأقبض روحك ( قال ) أي : النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ( فلطم موسى عين ملك الموت ) أي : ضربها بباطن كفه ( ففقأها ) . بفاء فقاف فهمزة مفتوحات أي : فشقها وقلعها وأعماها . قيل : الملائكة يتصورون بصورة الإنسان ، وتلك الصورة بالنسبة إليهم كالملابس بالنسبة إلى الإنسان ، واللطمة إنما أثرت في العين الصورية لا في العين الملكية ، فإنها غير متأثرة باللطمة وغيرها . 

قال شارح : وإنما لطمها موسى لإقدامه على قبض روحه قبل التخيير ، والأنبياء كانوا مخيرين عند الله آخر الأمر بين الحياة والوفاة ، وسيأتي زيادة تحقيق لذلك . ( قال : " فرجع الملك إلى الله ، فقال : إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ، فقد فقأ عيني " . قال : " فرد الله إليه عينه ، وقال : ارجع إلى عبدي ) : قال الطيبي - رحمه الله - فإن قلت أي فرق بين قول الملك عبد لك على التنكير ، وبين قول الله عبدي ؟ قلت : دل قول الملك على نوع طعن فيه حيث نكره ، وبينه بقوله : لا يريد الموت ، وقوله سبحانه : دل على تفخيم شأنه وتعظيم مكانه حيث أضافه إلى نفسه ردا عليه . ( فقال : الحياة ) : بالنصب على أنه مفعول قوله ( تريد ) ؟ على تقدير الاستفهام قبل الفعل ، أو المفعول ، ويمكن أن يقرأ : الحياء بهمزة ممدودة كما في قوله تعالى : قل آلذكرين حرم أم الأنثيين فالتقدير الحياة تريد أم الموت ؟ ثم فصله بقوله : ( فإن كنت تريد الحياة ) أي : الطويلة إذ المؤبدة غير متصورة في الدنيا لقوله تعالى : كل نفس ذائقة الموت ( فضع يدك ) أي : واحدة أو اثنتين ( على متن ثور ) أي : على ظهر بقرة ( فما توارت ) : وفي نسخة : فما وارت ( يدك ) : بالرفع وفي نسخة بالنصب وقوله : ( من شعرة ) : بيان لها ، وفي نسخة : من شعره بالضمير أي : من شعر متن الثور ( فإنك تعيش بها ) أي : بكل شعرة متوارية ( سنة ) ، واعلم أنه يقال : واراه الشيء أي ستره ، وتوارى أي استتر ، ومنه قوله تعالى : يتوارى من القوم فقال شارح قوله : فما توارت غلط وقع من بعض الرواة في كتاب مسلم ، وفي كتاب البخاري ، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة . وقال القاضي : فما توارت يدك ، هكذا مذكور في صحيح مسلم ، ولعل الظاهر فما وارت يدك بالرفع ، وأخطأ بعض الرواة ، ويدل عليه ما رواه البخاري في صحيحه : فله بما غطت يدك بكل شعرة سنة . ويحتمل أن يكون يدك منصوبا بنزع الخافض ، وفي توارت ضمير رفع فأنثه لكونه مفسرا بالشعرة . قال الطيبي قوله : من شعرة بيان " ما " والضمير فيه راجع إلى متن ثور ، وما وارت يده قطعة منه ، فأنثه باعتبار القطعة أي القطعة التي توارت بيدك أو تحت يدك انتهى . وقيل : التاء الأولى زائدة لأن معناه وارت أي غطت ، ذكره الأكمل . 

( قال ) أي : موسى ( ثم مه ) ؟ بفتح الميم وسكون الهاء ، وأصله ما حذفت ألفه ، ووقف عليه بالهاء للتعذر بين الحركة والسكون . قال النووي: هي هاء السكت ، وما : استفهامية أي : ثم ماذا يكون أحياة أم موت ؟ ( قال : ثم تموت . قال : فالآن من قريب ) ، أي فأختار الموت في هذه الحالة ( رب أدنني ) : أمر من الإدناء أي قربني ( من الأرض المقدسة ) : ولعله أراد أفضل مواضعها وهو المسمى ببيت المقدس الذي كان فيه قبلة الأنبياء ، وإلا فالأرض 

المراد أن يكون التقريب مقدار رمية واحدة بحجر ، ولذا قال ابن الملك أي : بمقدار ذلك . أقول : ولعله كان المقدسة تطلق على جميع أراضي الشام ( رمية بحجر ) . أي كرمية حجر ، والمراد السرعة ذكره شارح ، والظاهر أن في التيه ، فأراد التقريب إلى بيت الرب ، ولو بمقدار قليل من موضع دعائه ، أو من محل مطلوب . قال النووي - رحمه الله : وأما سؤاله الإدناء من الأرض المقدسة ، فلشرفها وفضيلة ما فيها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم من الصالحين . 

قالوا : وإنما سأل الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس ، لأنه خاف أن يكون قبره مشهورا عندهم ، فيفتن به الناس . 

قلت : وهذا بعيد جدا إذ لم يقع التفتن بقبر غيره من الأنبياء مع إمكان الفتنة في كل مكان ، بل فيه إشارة إلى أن المقبرة ينبغي أن تكون قرب القرية لا داخلها ، ولعل عمارة بيوت بيت المقدس كانت حينئذ قريبة إلى محل تربته عليه الصلاة والسلام ، وعلى كل ففيه استحباب الموت والدفن في المواضع الفاضلة ، والمواطن المباركة ، والقرب من مدافن أرباب الديانة . 

( قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم : " والله لو أني عنده " ) أي : عند بيت المقدس ، وأبعد شارح حيث قال : لو أني عند موسى (لأريتكم قبره إلى جنب الطريق ) أي : طريق الجادة من بيت المقدس إلى حواليه ( عند الكثيب الأحمر ) . أي التل المستطيل المجتمع من الرمل . ( متفق عليه ) . قال المازري : وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث قالوا : كيف يجوز على موسى فقء عين ملك الموت ؟ وأحالوا عن هذا بأجوبة . أحدها : أنه لا يمتنع أن يكون موسى عليه الصلاة والسلام قد أذن الله له في هذه اللطمة ، وأن يكون ذلك امتحانا بالملطوم ، والله سبحانه يفعل في خلقه ما يشاء ، ويمتحنهم بما يريد . قلت : ولا يخفى أنه بعيد . والثاني : أن هذا على المجاز ، والمراد أن موسى ناظره وحاجه فغلبه بالحجة ، يقال : فقأ فلان عين فلان إذا غلبه بالحجة . قال : وفي هذا ضعف لقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فرد الله إليه عينه ، فإن قيل : أراد رد حجته كان بعيدا . والثالث : أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله ، وظن أنه رجل قصده يريد نفسه فدفعه عنها ، فأدت المدافعة إلى فقء عينه ، وما قصدها بالفقء ، وهذا جواب الإمام أبي بكر بن حزم وغيره من المتقدمين ، واختاره القاضي عياض . قالوا : وأتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها أنه ملك الموت ، فاستسلم له بخلاف المرة الأولى . قال ابن الملك في ( شرح المشارق ) ، فإن قيل : كيف صدر من موسى هذا الفعل ؟ أجيب : بأنه متشابه يفوض علمه إلى الله تعالى ، وبأن موسى لم يعرف أنه ملك الموت ، وظن أنه رجل قصد نفسه فدفعه عنها فأدت مدافعته إلى فقء عينه ، وهذا مختار المازري والقاضي عياض ، وأنكر الشيخ الشارح يعني الأكمل بأن هذا غير صحيح ، لأن الرجل الداخل لم يقصده بالمحاربة حتى يدفعه عنه ، بل دعاه إلى الموت ، وبمجرد هذا القول لا يصدر عن مؤمن صالح مثل هذا الفعل فما ظنك بموسى عليه الصلاة والسلام ؟ وأقول : إن موسى عليه السلام كان في طبعه حدة ، حتى روي أنه عليه الصلاة والسلام إذا غضب استعلت قلنسوته فإذا هجم عليه رجل فدعاه إلى الهلاك عرف أنه لا يكون إلا بالحرب ، فدفعه قبل قصده ، وذا يحتمل أن يكون جائزا في شرعه ، أو لأن موسى عليه الصلاة والسلام زعم أنه كاذب حين ادعى قبض روحه لزعمه أن بشرا لا يقبض الروح ، فغضب عليه فلطمه ، وكان هذا الغضب لله ، وفي الله ، فلم يكن مذموما ، ولهذا لم يعاقب الله موسى عليه السلام حين أخذ رأس هارون ولحيته ، وكان يجره مع أن هارون أكبر منه سنا وأجل قدرا عند علماء الأمة ، وقد قال - صلى الله تعالى عليه وسلم : " حق كبير الأخوة عليهم كحق الوالد على ولده " . قلت : هذا وجه حسن إلا أن قوله لزعمه غير مستحسن . 

قال : وما اختاره الشيخ الشارح في الجواب أن موسى عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون مأذونا في حق اللطمة ، ويكون ذلك امتحانا للملطوم ، فلا يخفى بعده ، وفي شرح السنة : يجب على المسلم الإيمان به على ما جاء به من غير أن يعتبره بما جرى عليه عرف البشر ، فيقع في الارتياب ، لأنه أمر مصدره قدرة الله تعالى وحكمه ، وهو مجادلة جرت بين ملك كريم ونبي كليم ، كل واحد منهما مخصوص بصفة يخرج بها عن حكم عوام البشر ومجاري عاداتهم في المعنى الذي خص به ، فلا يعتبر حالهما بحال غيرهما ، وقد اصطفى الله - تعالى موسىبالمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة ، فلما دنت وفاته وهو بشر يكره الموت طبعا لطف الله تعالى به بأن لم يفاتحه بغتة ، ولم يأمر الملك الموكل به بأن يأخذه قهرا ، بل أرسله على سبيل الامتحان في صورة بشر ، فلما رآه موسى عليه الصلاة السلام استنكر شأنه ، واستوعر مكانه احتجز منه دفعا عن نفسه بما كان من صكه إياه ، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية ، وقد كان في طبع موسى عليه السلام حدة على ما قص الله علينا من أمره في كتابه ؟ من وكزه القبطي ، وإلقائه الألواح ، وأخذه برأس أخيه يجره إليه ، هذا وقد جرت سنة الدين بدفع كل قاصد سوء ، وقد ذكر الخطابي هذا المعنى في كتابه ردا على من طعن في هذا الحديث ، وأمثاله من أهل البدع الملحدين أبادهم الله تعالى .
--------------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق